مؤسسة آل البيت ( ع )
169
مجلة تراثنا
ثم رأيت أن ألطافه وصنائعه وأياديه ، لا تبرح تترادف على صنيعة بره وغريسه نعمائه ، وأن ترك الاعتراف بالقصور نوع من التقصير ، وأن إبداء العجز عن الشكر طرف من الشكر . فمن شروي ذلك تجاسرت بهذه العريضة ، لتحظى عني بلثم أناملك التي طالما أنعشتني من العفاء ، وأراشتني وكنت على شفا بالشفاء ، نعم يا سيدي وما هي بإحدى أياديك وأولى صنائعك ، التي أعد منها ولا أعددها ، ولم يختلف الحال في مغيبي ومشهدي ، ولا تفاوتت رعايتك لي في سفري وحضري ، حتى أقول مقالة الطائي : وما سافرت في الآفاق إلا * ومن جدواك راحلتي وزادي مقيم الظن عندك والأماني * وإن قلقت ركابي في البلاد كيف ولم يزل من جدواك زادي ، وأنا في كنف بلادي ، وما برحت مقيم الظن عندك والأماني ، وأنا في أظلة أوطاني ، أفليس بعد ذاك ، من فرض وفاك ، أن أقول : جعلني الله فداك ، أفليس حقا أن أقول : لا أبقى الله بعدك عبدك الذي استعبدته بعد فرض ولايتك عليه بالاحسان إليه ؟ ! وطالما استعبد الإنسان إحسان . نعم يا سيدي . . معذرة إليك وعفوا ، فالقرائح جامدة ، والأفكار بالهموم خامدة ، ووحشة الانفراد والغربة ، رمتني - وعافاك الله - بفوادح الكربة ، وعدم الأنيس والعشير ، والصاحب والسجير ، لم يترك من فطنتي شروى فتيل أو نقير ، وأنا أصبح وأمسي : أرى أناسا لا أنيس فيهم * ولا أرى إلا جنابا يجتنب كيف السبيل والسجايا هذه * منهم إلى أنس بحال يجتلب هم ممعنون هربا من قربنا * وجانبي ممتنع مع ( 1 ) الطلب عزة نفس لا يصاد وحشها * إلا بإكرام وإلا بقرب سكبت ماء العين ما شاء النوى * في غربتي وماء وجهي ما انسكب بين الشآم والعراق عارقي ( 2 ) * فواغر الدهر بأنياب النوب
--> ( 1 ) هكذا في الأصل ، والظاهر أن الصحيح : من . ( 2 ) العارق : هو من يتعرق العظم فلا يدع عليه شيئا من اللحم ومراده قدس سره هنا أن فواغر الدهر بأنياب النوب هي التي تعرقته كما يتعرق الأكل ما على العظم من لحم ( أنظر الصحاح - عرق - )